محمد جمال الدين القاسمي

205

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولا يضره الاختلاف . لإمكان التعدد . وأفاد الواحديّ بإسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاريّ المذكور قيس . ورجح الطبريّ في ( تفسيره ) وعزاه إلى أهل التأويل في ( تهذيبه ) أن سبب نزولها هذه القصة . ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد . قال : ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك . ثم قال : ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية . واللّه أعلم . انتهى . قال الرازيّ : اعلم أن قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ قسم من اللّه تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط : أولها - قوله تعالى حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا . الشرط الثاني - قوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ . واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب . فبيّن ، في هذه الآية ، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب . واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر . فليس المراد من الآية ذلك . بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق . الشرط الثالث - قوله وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا ، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول . فبيّن تعالى أنه ، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب ، فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر . فقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ المراد به الانقياد في الباطن . وقوله وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً المراد منه الانقياد في الظاهر . واللّه أعلم . الثالث - قال الرازيّ : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس . لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق . وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره . ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف . وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس . وقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ مشعر بذلك . لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص ، فهناك يحصل الحرج في النفس . فبيّن تعالى أنه لا يكمل إيمانه ، إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم النص تسليما كليّا . وهذا الكلام قويّ حسن لمن أنصف .